وقف على سطح البناية التي بها بيته وهو ينظر للميدان المطل عليه كانت الناس في الشارع بعيدة بحق وكانوا كلهم يتساوون في صغر احجامهم لكن ليس هذا ما كان يشغل تفكيره فهو كان يفكر في حديثها معه فهي كانت حصيلة كل ما يملك وفجأة ضاع كل ما يملك
قالت له ودموعها تسيل على خديها لا تستطيع منعها : لقد طلب مني ابي ان لا احدثك ثانية وان اقطع علاقتي بك وان افسخ خطوبتي معك انه يريد زواجي من شخص آخر يستطيع ان يكفل حياة زوجية انه يقول قد انتظرتك كثيرا ولم نتقدم خطوة
قال لها : ولكن كيف أحيا بدونك
هي: أنا مثلك لا اعرف كيف أحيا بدونك ولكنني تحملت كثيرا كل تلك الضغوط ولن استطيع التحمل أكثر
هو: انتي كل حياتي ولا حياة لي بدونك
استرجع ذلك الحديث وقطرات دموعه تنسال على خديه فماذا بوسعه ان يفعل موظف صغير مثله كيف يكفل بيتا لقد ضاع اغلى ما يملك ولا يملك شيئا آخر ليبث في نفسه الصبر لماذا يعيش؟ فالايام متساوية كل ما يفعله هو انتظار الموت لا اكثر ولماذا ينتظر الموت ويحيا كالمعذبين فليقبل هو على الموت بصدر رحب لذلك قرر الانتحار صعد على سور السطح ونظر الى الشارع البعيد الناس من فوق لها نفس الحجم هم صغار جدا والصورة الصماء قد تنسيك من جمالها ما يعانيه اصحابها فهذه السيدة التي تبيع الجرجير من بعيد قد تظنها تبتسم وتحيا بسعادة المنظر من اعلى بديع وكلما اقتربت تزيد الصورة ايلاما لكن هذا لم يشغل باله طويلا ما اشغل باله هو قدوم جموع من شتى البقاع قادمين تجاه الميدان استغرب ذلك الموقف واستوقفه عن فكرة الانتحار فوصول كل تلك الاعداد ليعج الميدان فجأة باكثر من اربعين الف مواطن في وقت قليل لهو شيء غريب يستحق ان يؤجل فكرة انتحاره حتى يفهم فلم ير الميدان يعج بكل تلك الاعداد من قبل
صعد اخيه الاصغر للسطح فقال له : اني سأنزل لاشارك الناس في ذلك التجمع الكبير فاليوم الخامس والعشرين من يناير هو اليوم الذي تعاهدنا فيه على الخروج لنطلب حقوقنا
هو : اي حقوق ومن انتم وستطلبونها ممن؟
الاخ : حقوقنا عيش حرية عدالة اجتماعية سنطلبها ممن يملك امر البلاد
هو : انت واهم اوتظن ان تلك الحكومة ستحقق لكم مطالبكم انظر لهؤلاء الناس انهم مثل النمل سيدهسهم مبارك وجنوده يا اخي هذه البلد لن يتغير فيها شيء هذه البلد قد ماتت
الاخ: ما دمت تظن اننا متنا دعنا نرقص رقصة الديكة الاخيرة بعد الذبح فهي اخر مانملك
ونزل اخيه ليشارك في تلك المظاهرة التي بدت انها سلمية وكان يقف هو يراقب ما يحدث بفضول يفكر كيف تجمع هؤلاء بينما هو يراقب ذلك تذكر حبيبته وهجرها تذكر كل حروفها التي قالتها في رحلتها الطويلة معه تذكر طغيان ابيها وضغطه الدائم عليها لتتركه تذكر عمله وتذكر اجره الزهيد تذكر كل ذلك واليأس يتملكه ثم نظر للجمع المحتشد في الميدان الصورة من اعلى اوحت له انهم مجموعة من المرفهين يقضون وقت فراغهم هنا من فيهم مثله قد عانى كل تلك المعاناة من منهم ضاع كل ما يملك من منهم مثله ينتظر الموت بل من منهم مثله لا ينتظر الموت بل يريد ان يتقدم الى الموت لكن فضوله وفضوله فقط حثه على تأخير موعد انتحاره ليراقب ماذا يفعل هؤلاء الشباب وينتظر نهاية ذلك التجمع فلم ير من قبل مظاهرة بها كل ذلك العدد الضخم ولم ير من قبل تعامل الامن الراقي معهم من قبل لقد تركهم الامن يصلون ويتذمرون دون مضايقات بل تركهم يهتفون دون محاولة لاسكات الاصوات كل هذا جعله ينتظر ويشاهد انتصف ليل القاهرة والهتافات لا تنقطع بل تحولت من (عيش حرية عدالة اجتماعية) لتقول (الشعب يريد اسقاط النظام) لتكون هذه هي كلمة السر التي قد جعلت قوات الامن مجنونة فبدأ القمع بكل الوسائل لقد كان يشاهد قنابل مسيلة للدموع تلقى بجميع الاتجاهات في الميدان ولم يفلح ذلك في تفريق الجموع فهؤلاء الشباب صامدون ثم بدأت المدرعات بسرعتها الجنونية تدهس الناس بلا رحمة ومع ذلك كانوا صامدين لقد صمدوا امام ذلك القمع كثيرا وكثيرا وصفهم من اعلى البناية بالجنون بعد ساعات من قمع لم ير مثله من قبل تفرق المحتجون ليثبت لنفسه صدق نظريته (هذا الشعب قد مات ولن يبعث للحياة من جديد) ومع ذلك قرر ألا ينتحر حتى يرى النهاية الكاملة لتلك القصة فهو ان كان سينتحر فلينتحر بعد ان يشبع فضوله
لقد اندلعت العديد من المواجهات في الايام التالية وكان يندهش لم يتعود من ذلك الشعب الصبر على كل تلك المواجهات ولكن كل ذلك لم يجعله يفكر في الانضمام اليهم فقط كان يتعاطف مع اخيه
وفي يوم الجمعة كان يسمع انهم يلقبونه بجمعة الغضب لكنه لم يهتم نزل للصلاة وكل تفكيره ان هذا اليوم سيكون الاخير له في الحياة لأن غالبا لن تستمر تلك المظاهرات بعد اليوم وهو سيقرر الانتحار نزل لصلاة الجمعة التي ربما كانت الاخيرة له في تلك الحياة وهو يقول ربما يغفر الله لي فهو يعرف ما اعانيه وصعد الامام الى المنبر كان قد اخذ الامام تعليمات من وزارة الاوقاف بمحاولة اثناء الناس عن تلك المظاهرات لذلك كان موضوع الخطبة عن الرضا نعم الرضا بما يقدر الله والصبر على تلك الاقدار وللعجب فهذه الكلمات وتلك الخطبة لم تثن الناس عن المظاهرة فهم يؤمنون بما يقدر لهم الله ولكن يثورون على ما يقدر لهم النظام وياللعجب كلمات الامام كان لها وقع آخر في نفسه هو نعم الرضا بما يقدر الله والصبر عليه كيف نسي حق الله عليه كيف قرر الانتحار وهو مؤمن بالله ظلت كلمات الامام تؤثر فيه اغرورقت عيناه بالدموع وظل يبكي ويبكي ويستغفر الله عن محاولته الشنعاء للانتحار وعاهد الله ان لا يعيد الكرة مرة اخرى
انتهت الصلاة وهو لم ينقطع بكاؤه حتى بالرغم من هتافات الناس لتحاول التجميع للمظاهرة وهو لم يهتم نعم هو قرر عدم الانتحار لكنه يظن ان محاولتهم هذه هي الانتحار ذاته هو يعرف ان الاستشهاد هو فقدان حياتك من اجل هدف نبيل بالرغم من حرصك على الحياة هو لم يؤمن بذلك الهدف النبيل لذلك فمحاولة الخروج معهم وقتله رآها انتحارا وهو لن يكرر خطأه مرة اخرى حاول ان يعود لمنزله ولكن وجد قوات امن تمنعه من الوصول الى الميدان حيث بيته بل كانت مواجهات طاحنة بين الامن والناس وجد مكانا آمنا فقرر الجلوس فيه حتى تنتهي تلك المواجهات وظل يتذكرها يتذكر حين كانت تقول له : احبك ولن يفرق بيننا شيء ويتذكر مرتبه الثلاثمائة جنيه التي لو قرر ان يأكل وجبة محترمة منها فلن يصرف اقل من 5% من راتبه على وجبة واحدة فكيف له ان يصرف على اسرة ويدفع ايجارا فيصيبه الياس لكنه يتذكر الله فينفض الفكرة قاطعه عن افكاره الهتاف بجواره (عيش حرية عدالة اجتماعية) صوت الطلقات في كل مكان كانت هذه الضوضاء اشبه بموسيقى تصويرية لشريط افلام افكاره نعم لما لا؟ انهم يثورون على كل ما وصل بي لتلك الحالة الله امرنا ان لا نياس اذن وجب علينا ان نبحث على الامل انهم على حق وانا فقط الوحيد الذي كنت تائها اخيرا سأهب من غفوتي التي استمرت كثيرا
وقام ليشارك في الاحداث شارك وهو يرى سيارات تدهس المارة شارك ليرى قنابل غاز تعمي الاعين وتثير الدموع لكنه لا يدمع لقد سكب مخزونه الاستراتيجي من الدمع في الايام الماضية فلا تنفع تلك القنابل معه كان يرى صمود الناس فيعلم انه لا يصمد على كل هذا الا من هو على حق واخيرا انسحبت الشرطة واخيرا راى بيته على مرمى البصر مطلا على الميدان لكنه قرر ان لا يعود للبيت وظل مع الناس يحدثهم ويفهم لما كل هذا الصمود انه القهر والذل الذي لم يفرق بين مسلم وقبطي في هذا البلد انه الفقر والظلم الذي لم يفرق بين سلفي ويساري كلنا في نفس المركب الغارقة نتعلق بقشة الميدان كي ننجو انها اخر امل لذلك كانوا صامدين انه الدفاع عن الوجود
مرت الايام منها لحظات سوداء عصيبة و منها لحظات ضحك كثيرة وهو لم يفارق الميدان بالرغم من بيته القريب الذي لم يكن يرجع اليه الا اذا اراد ان ياتي بشيء للمتظاهرين كالماء او الدواء قرر البقاء لانه اخيرا وجد لحياته معنى وهو لن يستسلم لاحباطه مرة اخرى
وفي احدى الايام ذات المسيرات المليونية وبينما كانت الاعداد غفيرة رآها من بعيد نعم انها هي حلم حياته انها جاءت تشارك بدورها
لم يدر كم استغرق من الوقت كي يصل اليها فهو يذهب في اتجاهها لا اراديا حتى وصل اليها الدموع التي لم تثرها قنابلهم اثارتها رؤيتها الدماء التي لم تنفجر من رصاصهم انفجرت في عروقه لتحيل وجهه للون احمر حين رآها
رأته فابتسمت قائلة : لقد وعدتك ان لا اكون الا لك
هو : ماذا تقصدين؟
هي : لقد عدت اليك
هو : ووالدك؟
هي: ابي بعد ان وقف في اللجان الشعبية وراى الشباب الذين كان يظن انهم تافهون رآهم كيف كانوا يحرسون بيوتنا ليلا بشجاعة واقدام ذلك الشباب الذي ظن انهم ليسوا على قدر المسئولية هم من يحموننا بصدق عرف انك من هؤلاء وما كان في الماضي هو اكبر منك فقال لي يا ابنتي العزيزة لن اجبرك بعد اليوم على شيء لا ترغبينه فانتي مصرية كباقي المصريين الذين ثاروا على الظلم والقهر والاجبار اخاف ان ياتي يوم تكرهينني فيه كما كرهوا هم مجبرهم وجاء معي اليوم ليشارك في تلك الثورة
بدات الدموع تنزل تباعا وتباعا اغرورقت عيناه بالدموع فما حدث في الايام الاخيرة لم يكن في حسبانه ان الحياة فجأة انقلبت حوالي مائة وثمانون درجة لتذهب من النقيض للنقيض
كان يائسا منتحرا فعاد اليه الايمان بالله ثم آمن بحق الثوار ثم شارك في الثورة فعادت اليه حبيبته
صعد الى سطح البناية من جديد ونظر للمشهد الرائع من اعلى ملايين من البشر يقفون في الساحة الآن لن يرى الصورة فقط جميلة صماء بل يراها بمنتهى الدقة هو يعرف كل جزء من الصورة مدى القهر الذي عانى منه مدى الظلم الذي قاساه مدى الذل الذي كان يخضع له وبينما هو يرى ذلك المشهد نظر الى السماء ورفع يديه لاعلى قائلا
ربي قد كنت ميتا فاحييتني بهم وقد كنت تافها فمجدتني بهم وقد كنت تائها فرددتني بهم فلا اعرف كيف اشكرك واشكرهم فانصرني وانصرهم













