في البداية ارسلوا جاسوسا ليعرف احوال غرناطة فوجد ولدا يبكي فسأله ماذا يبكيك ؟ قال ابكي لاني اخطأت ان اصيب الهدف بسهمي فقال الجاسوس يمكنك اعادة المحاولة وبالتاكيد ستصيب الهدف فكانت اجابة الولد التاريخية وهل سينتظر العدو ان اكرر ضربي بالسهم ثانية؟
هنا عاد الجاسوس لفرديناند وقال له لا تهاجموا الآن فالعرب متحفزون ورابضون ومستعدون حتى باطفالهم
عاد الجاسوس بعد عدة سنين ليتفقد حال غرناطة فوجد شيخا يبكي فسأله ماذا يبكيك؟ قال الشيخ : هجرتني حبيبتي
هنا عاد الجاسوس وقال: الآن يمكنكم الهجوم فقد شغلتهم دنياهم عن الاستعداد والتأهب لاعدائهم
أفاق العرب من غفلتهم المؤلمة على صوت جيوش فرديناند وايزابيلا وهي تملا عليهم السهول والوديان خاضوا ضدهم حروبا يائسة للدفاع عن كيانهم الاخير (غرناطة ) ولكن هيهات لقوم فقدوا كل عوامل الانتصار وتسلحوا بالياس والبعد عن كل ما تعلموه من اجدادهم ان ينتصروا سقطت غرناطة في 21 من المحرم سنة 897 هجرية وعقد آخر ملوك غرناطة أبو عبد الله معاهدة التسليم مع القشتاليين وهي مكونة من سبعة وستين شرطاً منها تأمين المسلمين على دينهم وأموالهم وعقيدتهم وحرياتهم مع العلم أنه لم يتم تنفيذ شيء من هذه المعاهدة وظهرت محاكم التفتيش واضطهاد للمسلمين وكان آخر العهد بابي عبد الله ان وقف بسفح جبل الريحان حيث سلم فرديناند وايزابيلا مفاتيح غرناطة وظل يبكي على ملكه الغابر هنا قالت له امه عائشة الحرة المقولة الشهيرة ( ابكي كالنساء على ملك لم تحافظ عليه مثل الرجال )
قصصت تلك القصة المعروفة للجميع في بداية كلامي كي نقارن لماذا كان يبكون و عماذا نبكي؟ كي نقارن بين بكائنا وبكائهم؟
بكاء الطفل كان لأن السهم لم يصب الهدف اذن فبكاؤه كان لخوفه ان يفشل في حماية ارضه ووطنه خوف بالتاكيد يحفز النفس لفعل المستحيل من اجل ذلك
وبكاء الشيخ كان بسبب هجر الحبيبة وهو بكاء للشعور بالحزن وليس حافزا لشيء بل هو يمكن اليأس من التغلغل في النفوس واليأس حين يتمكن من الانسان فلا رجاء فيه ولهذا طلب الجاسوس من فرديناند الهجوم لانهم يائسون
اما بكاء ابي عبد الله فهو بكاء الندم ندم شديد على ضياع مجد ضحى مئات وآلاف بانفسهم لكي يحافظوا على ذلك المجد ولكن باستهتار بعض الملوك ونسيان ثوابتهم واندراجهم لملذاتهم على حساب شعوبهم وارضهم ضاعت غرناطة
آسف للاطالة ربما كان المدخل طويلا
لكن اجيبوني من ماذا نبكي الآن ؟ اقول لكم
من عام مضى كنا نبكي اشد البكاء عندما فشل منتخبنا الوطني في الصعود للمونديال بعد موقعة ام درمان الشهيرة والملقبة بام المعارك
قولوا لي اضع هذا البكاء تحت اي بند؟
ربما يكون بكاء للشعور بالاحباط؟
بكينا على عدم صعودنا لكأس العالم ولم نبكي على حالنا كشعب لا يجد عيشة راضية في وطنه
بكينا على عدم صعودنا لكأس العالم ولم نبكي على القدس وهي تهان باقدام الصهاينة يوميا
بكينا على عدم صعودنا لكأس العالم ولم نبكي على حال اخواننا في العراق
بكينا على عدم صعودنا لكأس العالم ولم نبكي على تقسيم السودان
بكينا على عدم صعودنا لكأس العالم ولم نبكي على مهانة امة تداعت عليها الامم كما تتداعى الاكلة على قصعتها وليس من قلة بل من كثرة ولكن كثرة كغثاء السيل وكما وصفنا الرسول صلى الله عليه وسلم منذ اربعة عشر قرنا (لينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن ) والوهن هو حب الدنيا و كراهية الموت
هذا ما ابكانا
وهذا ما فهمه حكامنا فصاروا يضربون على ذلك الوتر
استقبل السيد الرئيس المنتخب العائد من موقعة ام درمان بعد الخسارة المدوية وبعد بكاء ثمانين مليون مصري وبعد كمية من الأغاني الوطنية استقبلهم استقبالا اسطوريا لأنهم كانوا السبب في اثارة مشاعر الشعب الذي لم تثر مشاعره من اي شيء آخر
وكانت المكافأة بالفوز بكأس الامم الافريقية
فبكينا مرة أخرى
بكينا من الفرحة وفي غمرة فرحتنا نسينا ان نبكي على غلاء الاسعار التي واكبت نفس الاحداث
نعم ذلك غريب
نوبة ارتفاع الاسعار وغلاء المعيشة لا تحدث الا بعد فوزنا بكاس الامم الافريقية
في 2006 عند فوزنا بالكاس كانت عبارة السلام تغرق فنسينا ان نبكي على غرقانا وشجعنا وكبرنا وهللنا وخرجنا في الشوارع ودمعت اعيننا من الفرحة وهناك الف اسرة مصرية ثكلى
في 2008 عند فوزنا بكاس الامم وصل ثمن كيلو الفول والعدس الي اعلى معدلاتهما وهما الطعام الرئيسي للمواطن محدود الدخل ولم ننتبه لذلك لاننا كنا نفرح وتدمع اعيننا بالفرحة
والآن بعد كل ذلك اقف متحيرا يا ترى متى يمكن ان يبكي ذلك الشعب بعد كل ما يمر به من ذل وهوان ولا اقصد الشعب المصري فقط فالشعب المصري هو جزء من الشعب العربي واظن انها نفس ظروف جميع العرب ولكنني اختصصت في تلك الامثلة مصر لاني عشتها ورأيتها
ما الذي يمكن ان يبكي شعوبنا العربية الآن؟
هل هو سهم لم يصب الهدف
ام حبيبة تهجر
ام ملك غابر
الاندلس ضاعت
جنوب السودان ضاعت
القدس ضاعت
فما الذي سيضيع بعدهم؟












