الاثنين، 31 ديسمبر، 2012

زنجبيلا





ما زلت أذكر  حين صعد خالي فوق السلم الخشبي ليصل لسطح بيت جدي القديم الصامد المتشقق و ينظر نحوي بأسفل ينتظرني كي أحذو حذوه فما يناله مني غير نظرات خائفة , أخشى المرتفعات دوما أنظر لأسفل 
السلم الضعيف تحت أقدامي ألصغيرة سيهوى بي , كل تلك الهواجس تطاردني و هو يمد يديه ينتظرني أصعد 
- خايف من الطيارات يا خالي 
ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي استيقظنا فيه على صوت الطائرة و هي تسقط فوق بلدة مجاورة و تحطم  إحدى البيوت ،كان صوتها مفزعا بحق
- الطيارة فوق في السما و انت مهما عليت مش هتوصلها 
هكذا قال لي كي يحمسني لكن الخوف من السقوط أعظم من الوقوف على السطح , ثم ما الذي يمكن أن يحتويه سطح بيت قديم و يثير طفلا مثلي ،كلا بلا شك هو يحتوي على أعظم شيء يثير عيون صغيرة أتت للعالم الكبير منذ وقت قصير إنه ( الفضول )
ربما كان بأعلى عالم مختلف ، ما الذي يمنع أن تنمو الرياحين فوق السطح  , بعض الأرانب ذات الوبر الأبيض بالتأكيد تلهو جيئة و ذهابا , أمي كانت تربي الأرانب فوق سطح منزلنا لكن سطح بيتنا له سور يمنع قفز الأرانب بعيدا لذا نسميه (داير)
أما سطح بيت جدي فهو بلا سور , لكنني صغير على فهم كل تلك الحقائق و لا أعلم حقيقة ماذا بأعلى 
- ابعد شوية من تحت السلم 
قالها خالي بلهجة آمرة فما كان مني إلا أن ابتعدت  , و بدأ في إلقاء أشياء من أعلى فكرت قليلا , أستطيع أن أتصور شكل الحياة فوق السطح حين أرى ما يرميه , ستخبرني تلك الأشياء عم إن كان هناك كوخ بأعلى مثل الذي  رأيته في التلفاز في قصة الثعلب و الثلاث خنازير , أم أن جيري الفأر الصغير يتلذذ في الهرب من توم و يختبىء بأحد الشقوق ,كلها أشياء قد تتضح حين أرى ما يلقيه لكنه أمرني ان ابقى بعيدا 
لكن الفضول يقتلني و ما زال خوفي أكبر من فضولي فاستندت إلى الحائط و جلست أراقب الكتل الخشبية القديمة الضخمة لأثاث قد هلك , ما الذي تفعله مثل تلك الأشياء بأعلى, إن مثلها بالتأكيد مكانه في أسفل الأسفلين , كيف تكون هذه الأشياء أول ما تبصره الشمس فوق سطح جدي , راقبت الأخشاب القديمة التي تفوح منها رائحة السنين و تسكنها حشرات تستلهم  من عبقه حياتها و أنا ما زلت مندهشا و ما يزيد فضولي هو لماذا خالي يلقي تلك الأخشاب الآن ؟ هل يئن السطح بما حملوه به؟
أخيرا شرع خالي في الهبوط بواسطة السلم الخشبي العتيق الغير ممهد , ينزل برفق يرى مواضع قدميه درجة بعد أخرى حتى استوى على الأرض , فجمع الأخشاب و بدأ يضعها في (جروانة ) بها بعض الرماد 
و في المساء حين استاءت الشمس من ذنوب العباد التي اقترفوها على ضوئها فانسحبت حتى تمنح في الليل مجالا للتوبة , و لكن ليالي الشتاء الطويلة باردة , و التوبة تحتاج لقلب دافىء 
- كياح  (1) يرقِّد الكلب النباح 
هكذا كانت تقول جدتي دائما و هي ترتدي كل ما أوتيت من ثياب و أسنانها تصطك و بعض الدخان يخرج مع أنفاسها , جلست بجوار الجروانة التي أعدها لها خالي و أوقد النار في الاثاث القديم . 
و جلسنا بجوار المدفأة التي تحمل في أحشائها  ذكريات بيت عتيق , نحرق تلك الذكريات كي ندفأ .
كفوفنا تتكاثر على النار و نعبىء من الدفء غرفا بأيدينا و نشربه , ثم نصنع ذلك الصوت الذي يبعث فينا الدفء حين تحتك أناملنا و أكفنا بعضها ببعض .
أتذكر ما كنا نفعله في المدرسة حين نحك القلم بشعرنا و نقربه من قصاصات الورق فتنجذب إليه , لم أعترف بالنظريات العلمية عن الشحنات الكهربية , كل ما أعرفه أن الاحتكاك يصنع السحر 
أحك يدي بيدي بقوة فتبعث فيَّ الدفء و انظر إلى جدتي التي تسألنا من يريد أن يشرب زنجبيلا  , تضع الكنكة على النار المتقدة من جذوع الأثاث , نراقبها بصمت 
أحتسي جرعة من الزنجبيل فأبعد الكوب عن فمي و أهتف
- مشطشط يا ستي 
- علشان كده بيدفي
أذكر المدرس حين تلا علينا قوله تعالى ( و يسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا ) أخيرا عرفت الزنجبيل لكن كيف يكون الخمر في الجنة مخلوطا بالزنجبيل (المشطشط)  هتفت بجدتي :
- هي الجنة برد جوي يا ستي ؟ بيشربوا ليه هناك زنجبيل 
ضحك خالي و ربتت جدتي على كتفي و قالت لي :
- اشرب بوج تاني منه و هتعرف ليا , استطعمه و هتلاقي حاجة غريبة جواك , الجنزبيل مش بيدفي علشان مشطشط بس لكن بيدفي  برضك علشان بيقدر يوصل لروحك  

-----------------------------------------------------
(1)كياح : شهر كيهك القبطي

24 التعليقات:

ليلى الصباحى.. lolocat يقول...

وبعد مرور الايام والسنين ندرك ان الذكريات هى من يمنحنا الدفء والحياة
نبحث عنها كل حين وننبش فيها برفق لنعثر على ترياق الحياة الذى يجعل من حاضرنا كائن ينتنفس ويستمر

احسنت ياصديقى واستمتعت بذكرياتك وعشقتها واتمنى لك حاضر ومستقبل مشرق ومتألق تنعم فيه برضا الرحمن

تحياتى بحجم السماء

Tears يقول...

جئت بس اقول كل سنة و انت وكل المدونيين بخير و صحة ودايما تثرى المدونات بكتاباتك :)

richardCatheart يقول...

كل سنة وانت طيب يا درش يارب سنة سعيدة عليك يارب

مصطفى سيف الدين يقول...

شكرا يا ليلى صحيح في جزء منها ذكرى بس هي قصة كتبتها

و كل سنة و حضرتك طيبة يا تيرز و كمان حضرتك يا قلب القطة

شيرين سامي يقول...

يا مصطفى القصة دافيه أوي :)
أنا بحب اللهجه الصعيديه جداً و مزجك ليها بين الأحداث خلت القصة إحساس أكتر منها مواقف..
جميله مثل كل ما تكتب
كل سنة و إنت سعيد و طيب
يا صديقي الطيب :)

هبة فاروق يقول...

القصه تجعل القأرى يتمنى الذهاب الى الصعيد لينعم بدفئها مش حتعزمنامره يا دكتور

كل سنه وانت طيب

شمس النهار يقول...

:)
جااااااامده
رد الجده جامد
:)

كل سنه وانت بالف خير وصحة وسعادة :)

ابراهيم رزق يقول...

اخى العزيز

حمد الله على السلامة
نورت بلوجر يادرش ومتغبش عنه تانى

ثانيا كل سنة وانت طيب

عام سعيد عليك

القصة حاسيتها وحسيت انى شفت شخصياتها قبل كده واتعاملت معاها لما سافرت الصعيد
حتى وصفك للبيت حسيت انى جواه

ياريت يا مصطفى تكتر من اللون ده فى الكتابة
الجو ده مفتقدينه وحاسين ان عدد اللى بيكتبوا فيه قليل جدا

تحياتى


أبو حسام الدين يقول...

أكيد أن الكاتب ابن بيئته، وما يبقى عالقا في ذاكرته من وسط كبر فيه أو قضى فيه طفولته، يساهم في استحضار صور جميلة ورائعة في كتابة القصة.
وجدت قصتك ممزوجة ببعض الذكرى الممتلئة بالحنين. وروح يسكن الحرف بألق ومتعة.

أرجو أن تكون بخير يا صديقي، وأن تنعم بصحة جيدة.
مودتي

زينة زيدان يقول...

" نحرق الذكريات كي ندفيء أنفسنا"
" حين استاءت الشمس من ذنوب العباد التي اقترفوها على ضوئها فانسحبت.."

تعبيرات أوسع مما قد تحمله الكلمة بكثير..
وحروف تمنح الدفء الحقيقي بجمال روايتها ..لقد أشعرتني كأنني أجلس معك وأستمع لكلمات الجدة الدافئة وأشارككم ذاك المشروب الروحاني..

أسلوب رائع وتعبيرات متقنة
المتعمق في القراءة سيرى بوضوح الجانب النفسي للأطفال وتفكيرهم ولنزعات الإيمان لديهم ولدى الكبار
كانت قصتك متكاملة الطرح والفكرة

تحيتي وتقديري
وكل عام وأنت يألف خير

الاحلام يقول...

ذكرياتنا مهما كانت قاسيه او حنونه فهى بمثابه الشىء الجميل الموجود فى حياتنا فهى تذكرنا دائما بايام طفولتنا وايام مضت
كل سنه وانت بالف خير استاذى
تحياتى ابوداود

Bahaa Talat يقول...

السلام عليكم...
طبعا لازم أقولك إنك وحشتني جدا!! وكمان (بالصعيدي) اتوحشت كتاباتك الراقية التي قلت كثيرا خلال الفترة الأخيرة.
كنت أنوي أن أكتب تعليقا على قصتك هذه، فوجدت أن ما أريد أن أكتبه قد سبقني إليه تعليق الأخت "زينة زيدان"، فرأيت أن أضرب هذا التعليق في 2.
لا تبتعد كثيرا فتتوه، والقمر لا يظهر في ليل التائهين.
تقبل تحياتي...

مصطفى سيف الدين يقول...

شيرين سامي
كل سنة و انتي طيبة يا صديقتي الغالية
و ما اكتبه هو قبس من ابداعكم فانتم كالشموس التي نستمد منها حياتنا

مصطفى سيف الدين يقول...

هبة فاروق

تشرفي طبعا الصعيد
بس يعني حددي انتي وقت تيجي فيه علشان اعزل من قبلها :)

كرم مات يا هبة :)
تشرفينا و تنوري طبعا

مصطفى سيف الدين يقول...

شمس النهار
التي لا تغيب حتى في أيام الشتاء الباردة
الدفء يا سيدتي هو نورك و حضورك
كل عام و أنتِ بخير و منورة الدنيا

مصطفى سيف الدين يقول...

ابراهيم رزق
الصراحة يا عزيزي كنت بافكر اقفل المدونة و خلاص حسيت اني باعيد نفسي فهربت للون ده اتمنى اكون موفق فيه
اشكرك يا صديقي
و بالمناسبة اخبار سوني ايه
و كل سنة و انت طيب

مصطفى سيف الدين يقول...

ابو حسام الدين
و البيئة هي التي تصنع من الأديب اديبا
فلو لم يشعر بما حوله لان يشعر بشيء
اشكرك يا استاذي
و اتمنى ان تكون على خير دائما

مصطفى سيف الدين يقول...

زينة زيدان
اشكرك يا عزيزتي
تعليقك ترك أثره في
و سعدت به فأنتم كالبحر الزاخر بالكنوز و الذي استمد منه الحياة
اسعدني ان القصة راقت لكِ

مصطفى سيف الدين يقول...

الاحلام
و الانسان لا شيء بدون ذكرياته و خبراته
اشكرك يا صديقي
و كل عام و انت بخير

مصطفى سيف الدين يقول...

بهاء طلعت
و انا اتوحشتك جدا و اتوحشت كل اللي بحبهم بعيد عن جو السياسة المنفر
اشكرك يا صديقي
سأحاول ألا ابتعد حتى لا أتوه لكن الطريق وعر بحق
نورتني بجد و اتمنى ان اظل عند حسن ظنك

شيماء علي يقول...

جميلة يا مصطفى..
السرد ده جميل..
انت شيك اوي في السرد على فكرة :)
عامك سعيد.

givara يقول...

كل سنه والجميع بخير
قصه فى منتهى الجمال
فعلا قصه جميله جدا

منجي بـــــــــــــاكير يقول...

راق لي توجّه و مضمون المدوّنة ! الزّمن الجميل يسعدها أن تقاسمك نشر المعرفة و الوعي و السعي إلى الأفضل و تدعوك لزيارتها و التفاعل ، تقديري
http://zaman-jamil.blogspot.com/

Deyaa Ezzat يقول...

دقة الوصف بالإضافة للإحساس نفسه عامل دفء جميل وتجسيد للمشاهد

استمتعت جدا

بالتوفيق دايما