السبت، 8 مارس، 2014

جيدالا (3) الأخير




أغلق عينيه كي تتوقف المشاهد المتلاحقة و تخلف في عقلي الكثير و الكثير من التساؤلات انهم ليسوا بسارقين فقط كما ظننت بل هم أيضا قتلة أتوا ليبيدوا البشر تحت شعار البقاء للأقوى ويتهمونا نحن بالهمجية يا لهم من أوغاد أما عن جيدالا فكان لغزا لم أفهمه وهو أكثر ما يثير دهشتي كيف لوغد مثل ذلك الكائن ان يحمل كل تلك المشاعر .
زخات المطر تزداد يبدو أنها ليلة عاصفة كيف ذلك , والسماء كانت صافية منذ فترة وجيزة أشياء كثيرة تثير دهشتي ذلك المساء, لكن أكثر ما فاجئني هو ان سيدروك انطلق يعدو نحو باب الكامب في ذلك الجو الممطر 
لم أفهم لبرهة لماذا يفعل ذلك الى ان توصلت الى الحقيقة ان مداعبته للأزرار لم تكن الا لإستثارة المطر من مخازنهم التي يحتفظون فيها بالبخار, الآن هو يرد للأرض ما سلبه منها , لكنه لا يرد فقط ما سرق بل انه يفعل شيئا أكثر حماقة .....
إنه ينتحر !


ركضت خلفه أحاول ايقافه هتفت به أن يتوقف لكنه لم يستمع اليَّ , أراه واقفا بين السماء والأرض ينظر في اتجاه الشرق يخاطب أحدا لا أراه و هو مبتسم : - جيدالا ... أيتها الشمس الغاربة عن جسد معلق بين السماء والأرض 
جيدالا ... يا من حملت السعادة بكفيها ورحلت عن جسد لا يعرف معنى الفناء 
جيدالا ... أيتها الحياة الأبدية أما آن لشمسك الزرقاء أن تشرق من جديد 
كنت أهتف فيه وأحاول ان أثنيه عما يفعل دون جدوى 
فقط ابتسامته تزداد اتساعا يمد يديه للأمام كأنه يحتضن شخصا ما بينما ألاحظ الإرهاق والألم على ملامحه 
- جيدالا .... كم أعشقك بل أذوب فيكِ عشقا 
وصمت سيدروك 
صمت للأبد 
صمت فقط لكن لم يسقط فجاذبية الأرض أضعف من جاذبية جيدالا التي تحمله بين ذراعيها هذا ما يوحي به انعقاد ذراعيه على جسد ليس له وجود ... مات سيدروك واقفا وسيظل واقفا ما بقي الخلود لن تحويه أرض ولن يلمس أبدا السماء روح حوت النقائض فلا تصعد للسماء ولا تطمث في الأرض .
ظللت أراقبه تحت الأمطار قليلا في منظره المهيب بوجهه الأزرق المشوه من جراء الحروق بعد أن ذاب عنه قناعه البشري المخادع 
وأخيرا استطعت أن أجر أقدامي إلى الكامب مرة أخرى لأقف أمام الجهاز لأرسل رسالة أخيرة منه كما تعلمت من سيدروك 
كتبت فيها :- التجربة فشلت فجوف الأرض ليس جافا كما ظننا, بل يحمل أضعاف اضعاف ما يظهره سطحه ... لا تنتظروا عودتي فأنا أحتضر ... وصيتي لكم ابحثوا عن كوكب آخر لا تؤذوا فيه أحدا 
وقبل أن أغلق الأجهزة كلها نظرت إلى الشاشة لأرى سوسن تقف بجوار نافذتها تراقب المطر وعيونها أكثر إمطارا من السماء وقلبها أكثر ضجيجا من الرعد بينما ترفع يديها للسماء قائلة : أعده لي يا الله .... أعده لي 
راقبتها ودموعي تترقرق قبل أن أغلق الأجهزة كلها لتعود الأرض من جديد لما كانت عليه قبل تلك التجارب الغريبة ... ربما لم ينته الاحتباس الحراري و ربما سترتفع حرارة الأرض مرة أخرى لكن الآن أشعر أنني أنقذتها 
***
جيدالا ... يا زهرة أينعت في غير موسمها فأنتِ زهرة كل المواسم 
جيدالا .... كم أعشقك بل أذوب فيكِ عشقا


***
بدأت البحث عن المخيم كي أجد صديقي محسن نائما فأيقظته لم يتذكر أي شيء مما حدث له ولي لم يتذكر سيدروك واتباعه بل لم يتذكر نظراته ولم أجد في نفسي القدرة أن أقص عليه أي شيء , فلقد كنت أريد العودة سريعا 
تعجب محسن من إصراري على العودة لكنه لم يعارضني وعدنا أدراجنا الى المدينة 
لم أذهب الى المنزل مباشرة كنت أريد أن أشتري هدية لسوسن , قمت بشراء بوكيه ورد بديع المنظر وركضت نحو المنزل يسابقني قلبي قبل أشواقي , تفاجئت سوسن بعودتي قبل ميعادي بأربعة أيام بينما لم أتفاجىء بحالتها المزرية من بكاء ووحشة أكثر من ثلاثة أيام ...
الآن يا معشوقتي آن لدموعك أن تنتهي وآن للسعادة ان ترى بيتنا الصغير .
ابتسمت واقتربت منها حاملا الزهور, بينما هي ازدادت دهشة فلم تلحظ أبدا مني ذلك الجانب الرومانسي في الفترة الأخيرة 
قالت لي : ما اسم تلك الأزهار ؟ 
-ربما كان اسمها جالو 
- جالو؟ ما ذلك الإسم الغريب لا أعرف أزهارا تدعى كذلك , و أنا التي كنت أظنني خبيرة في عالم الأزهار 
- بل أنتِ خبيرة حقا في عالم الأزهار يا حبيبتي فأنتِ من تمنحينها الندى , و أنا الذي لا أدري ما اسم تلك الأزهار لكنها بالتأكيد ليست سوسن 
- ولماذا لم تأتِ بسوسن
-بل أتيت بها 
أمسكتُ أناملها بأناملي وحين تعانقت الأنامل شعرت كأن الحرارة والأمن تنتقل من اصابعها إليَّ كأنني طفل صغير ينتظر لمسة أمه قبل أن أضع أصابعها على موضع قلبي وأقول : سوسن هنا 
وتعالت ضحكاتنا طويلا جدا. 

***

جيدالا ... أيتها الحسناء أخبريني كيف تتلاقى الأرواح في أجساد أبلتها الحياة 
جيدالا ... يا من حملتِ أسرار العشق ورحلت بعيدا الى كوكب آخر بحثت عنك في كل الكواكب حتى وجدتك
جيدالا ... أكثر ما أعانيه الآن هو أن جسدي معلق تظله سماء غير سمائك داخل كوكب غير كوكبك

جيدالا ... كم أعشقك بل أذوب فيكِ عشقا

1 التعليقات:

Carmen يقول...

وصف رائع حبكة متميزة رومانسية على اعلى مستوى
وكفى :)
رائع يادكتور تسلم ايدك رواية شيقة ممتعة بالتوفيق دايما :)