الأحد، 24 مارس، 2013

و مضى قطار القصب يا ولدي



واقفا في الصف المصفوف بجوار القضبان بالقرب من سور المدرسة ، يشحذ أذنه كي تسمع صوت الجلبة القادمة  و هو يتبادل النظرات مع رفاقه ، حتى شعر باهتزاز السور و سمع أحدهم يقول  :
- القطر جاي
يراه مطلا في بطئه المعتاد ،فيقرر الركض قليلا حتى تكتسب قدماه الصغيرة نفس السرعة  ، فإن أصبح القطار محازيا له تبرز منه أعواد القصب  مد يده الصغيرة ليجذب أحدها ، لا يستطيع لكنه لم يتوقف كأن كل ما تعلمه في حياته هو الاصرار على جذب حلمه إليه ، لم تحمل خبرات العشرة أعوام الماضية سوى سقوطه المعتاد حين تعلم المشي و مع اصراره بدأ يسير .
لم يقو على جذب العود المكبوس بين أعواد عديدة  فقرر ان يقوم بحركة مجنونة مستفيدا بسرعة القطار البطيئة التي توحي لمن ينظر غليه أنه واقف  يرتكز بقدمه الصغيرة  على أحد الأعواد البارزة و لحسن طالعه أن جسده النحيل لا يشكل عبئا على العود فيكسره ثم اعتلى الأعواد حتى صار فوق عربة القطار ، يشعر بسعادة غامرة أخيرا اصبح أكبر من في الأرض ينظر لاصدقائه الصغار يركضون بجوار القطار  يجذبون الأعواد فلا يستطيعون فيضحك من هؤلاء الحمقى ، يقبض على القصب بكفه الصغير و يلقيه من أعلى على جانب الطريق عودا وراء عود فيحمل أصدقائه القصب و يعودون و يمضي القطار بسرعة أكبر بعد أن تخطى المنطقة السكنية  ، حينها فقط عرف حجم ما فعل في نفسه ، كيف سيهبط و أين هو الآن لا يعرف  ، يعتصر قلبه خوفا و القطار يمضي  تعتصر عيونه دموعا و القطار  يمضي ،  يرى في خياله أصدقائه ينتشون و هم يمتصون السكر من لبابات القصب و هو يضيع
جلس بين الأعواد لم يقو على أن يأخذ عودا منهم يمتصه كأن حلمه تطاير حين وصل إليه و راقب الأشجار و البيت من حوله و هي تغادره إلى لا شيء
و أخيرا وصل القطار إلى المصنع فتوقف   ، رأوه العمال جالسا على أعواد القصب  فأنزلوه و وجوههم واجمة ساخطة عليه صبوا عليه أقذع الشتائم  بل امتدت ايديهم لتصفعه صفعات متوالية :
- أنت اتجنيت ياض ايه اللي خلاك تفط على القطر كان ممكن تموت
الصمت هو ما أجابهم به
- ده تعب ناس اللي شغال تسرق فيه و ترميه على الأرض
لم يفهم شيئا الصمت هو ما يجيب و الصفعات تتوالى على وجهه و عيناه لا تتوقف عن البكاء  و حين انتهوا  من الصفع قال لهم بصوت رقيق يفوح منه الحزن :
- ممكن تروحوني أنا مش عارف أنا فين و لا كيف جيت
هنا فقط انتبه الجميع إلى الحقيقة المؤلمة و هي أنه مجرد طفل حلم ، اقترب أحد العمال منه صفف شعره باصابعه ثم ربت على كتفه حتى يشعره بالأمان :
- متخافش بس قلي أنت مين و من فين
حين أخبره الولد بتلك المعلومات التي قد حفظها له والده عن ظهر قلب نادى على أحد العمال :
- ابقى خده في طريقك  يا شيخ وصله لناسه
في طريق العودة كان العامل  يبتسم للصبي حتى يمتص توتره ثم قال :
- إنت ليا عملت كده؟
- كنت عاوز أمص قصب
- بس ده حرام ده بتاع ناس
- القطر مليان عربيات كلها مطنفخة لطمة عينها قصب مجتش على الشوية اللي رميتهم
- يا ولدي السرقة سرقة   اللي يسرق قرش زي اللي يسرق ألف ، و أنت من بيت عالي و ناسك ناس محترمين
قالها العامل فنظر الصبي في الأرض و هو يشعر أنه جلب بعض العار   لأهله
كانت فرحته لا توصف حين رأى بيته و ركض نحوه بفرحة طفولية ، و غادر العامل دون أن يشتكي لوالده و انتهى الأمر عند ذلك .
كلا لم ينته في الصباح حين ذهب إلى المدرسة دخلها دخول الفاتحين  ، الطلاب يهمسون لبعضهم و يشيرون نحوه  يصله صوت أحدهم يقول 
- هو ده اللي فط فوق القطر امبارح و رمالنا كل القصب اللي مصناه الليل كله  ، مشفتش منظره و هو زي ابو الحصين  اللي بيفط على العشش و ياكل الفروج
تذكر الحقيقة أنه حين قفز على القطار لم ينل سوى الصفع بينما الراكضون على الأرض أخذوا كل شيء  و امتصوا وجعه و خوفه الممتزجين بلبابات القصب  ، صمت    و انزوى  
ناداه أحدهم :
-  القطر هييجي  مش جاي معانا 
عاد لمنزله و هو يردد لنفسه :
- أنا من بيت عالي  و ناسي ناس محترمين  
مرت الأيام و الأعوام و قرر أن يفني عمره في القراءة ، عرف أنه  تم إلغاء القطار بعد أن حصد أرواح و أحلام العديد من أطفال المدرسة التي يمر عليها يوميا ثلا مرات
و في أحد الأيام و هو عائد من عمله في ميكروباص الشركة  كانت على الطريق تقف مقطورة محملة بأعواد القصب  ، أوقف السائق الميكروباص و هم بالنزول و سحب أحد الأعواد  ، لكنه وجد ه يقول له : 
- ده حرام ده بتاع ناس 
- كل اللي هاخده عود واحد ريقي ناشف 
- برضه حرام
- طيب فين صاحبه و احنا نستئذنه  ، بص كده حواليك مقطورة مرمية في الطل من غير صاحب هو نفسه عارف ان في اللي بياخد منها
- هو سايبها للي بيحرسها 
- و نعم بالله  ، اهوه في حد جاي على الطريق استنى نسأله
يمر بجوارهم رجل في الخمسينات من العمر يرتدي جلبابا و يلف رأسه بعمة  و التجاعيد في جبهته تحمل شقاء  أعوام من العذاب 
- ليا راكنين هنا ؟ يلزم خدمة
قالها لنا بينما أجابه السائق ان كل ما يريده عودا من القصب 
- يا سلام موقفين العربية و مقعمزين ده كله علشان عود ، و الله متاخدش عود واحد كل اللي معاك في الميكروباص ياخدوا اللي عايزينه 
ضحك كل من بداخل الميكروباص و هبطوا منه و بدأوا في حفلة الماص يجزون على اسنانهم بقشور القصب حتى يصلوا إلى اللبابة ثم يمتصون السكر قال السائق :
- خابر ؟ طعم الحلال حلو لكن دايما بياجي وخري



-----------------------------------------------------
خارج الإطار : تمر أعوام أخرى فينطلق قطار الثورة ، يتقافز عليه العديد ثوارا و إخوانا  و فلولا ، الكل أعلى عربات القطار يتقاتلون ، الدماء تسيل تختلط بالقصب الذي يلقونه على جنبات الطريق ، بينما الراكضون خلف القطار يمتصون دماء السكر بتلذذ بل و يشجعونهم و ينظرون لمن فوق القطار نظرة الفخر و يعتبرونهم ابطالا ، فوجد نفسه يقول :
- ليه كده يا شعب ، دانت من بيت عالي و ناسك ناس محترمين ، ده عرق و دم ناس اللي بترموه على الأرض

الأربعاء، 13 مارس، 2013

الرجل الذي فقد ظله للأبد



رأى فيما يرى الأعمى  أن الكون تلبد بالغيوم ، فضاع في غياهب الدخان  لا يرى شيئا حوله حتى ظله  ، حين لم يستطع أن يراه قرر أن يسمعه  صرخ فلم تخرج صرخاته ، لكنه قاء دما 
حين أغرقت دمائه الغيوم يأسا  أصابتها العدوى فانقشعت ليظهر  ظله  ، صرخ كي يشعر بوجوده  لكن قهقهات ظله كانت أعلى و هي تدوي في صمت 

الأحد، 10 مارس، 2013

ناموس العشق



قالت الأرض للماء : لولاي لما تحددت لك ملامح 
قال الماء للأرض : لولاي  لما دبت فيك حياة 
ابتسما ، فاحتوى الماء الأرض حين احتضنته 
حينها ضحكت النار فأحرقت الأرض و بخرت الماء 
و تلاشى الجميع حين انطفأت الجذوة المشتعلة 

------------------

لأنني خلقت بلا خياشيم لم استطع أن أتنشق شذى عطرك الذائب فيكِ ، فغرقت بداخلك لا أبغي خلاصا و لا أدري ماهية السحر . أمسكت بمعولي و ضربت الصخر كي تنفجرين فيّ عيونا تروي جفافي ، الألم يصاحبكِ فيّ ، ارتويكِ عصير تفاحة معطوبة نارا تسكرني ، اترنح انكفىء على وجهي فتتسربين من قلبي كأنك لم تكوني هناك 
أصعب الغرق هو الغرق بلا ماء 

الجمعة، 1 مارس، 2013

خماسين



الشوق كان يقتلني للقائها  لذا انتظرت عاما كي أرى الربيع فلم يأتني ضاحكا كعادته ، حكوا لي عن أن الألوان تزدهر فيه  إلا أن هذا العام كان الكون مصفرا ، الغبار يتراكم طبق فوق طبق  ارتعبت
أغلقت كل منفذ يأتي منه الهواء و تواريت خلف مكتبي وحيدا  ، اشتقت إلى ذلك العناق الذي يحمل لي الأمن و الدفء أخرجت قلمي من  الدرج و كتبت على الورقة اسمها  و قبلته ، فصنعت منها صاروخا ورقيا كما تفعل الصبية فتحت الشرفة و قذفته نحو قلب العاصفة لأقتل بكِ الغبار فأنتِ النقية التي يتوارى منها التراب خجلا   ، لكن الريح العتية حملتك بعيدا عني ربما إلى روضة غناء ، أراقبك بلا حول أو قوة مني و أنتِ ترحلين بعيدا  تختفين عن ناظري لتستوطنين قلبي  أركض نحو ركن الغرفة اضع رأسي بين ساقيَّ و أبكي
الريح تغرقني و الغبار يخنقني و الدماء تتفجر مني أتلوى على الأرض صارخا  باسمك ، أناديكِ لكن الرياح التي تحمل كل شيء تأبى أن تحمل ندائي   ، جراء ما تنفست من التراب  صار قلبي كتاب أغلق منذ أعوام تراكم عليه غبار لا ينتهي  ينتظرك كي تزفرين بأنفاسك الحارة  ذنوبه المتراكمة و تفتحينه من جديد
استند بظهري إلى الحائط و أراكِ من بعيد ينقشع عنك الضباب تمتطين قوس قزح إلى السماء  تبتسمين و تلوحين لي   ، فأمد ذراعي تجاهك  راكضا نحوك فتمضين لتعود العاصفة و تقتلعني ، يمنحني الضباب ضبابا فأصير منه غبارا  تذروني الرياح ، ابتسم بسخرية  باكية و أدور معه حول الكون انتظر لحظة تصمت فيها الرياح عندها بالتأكيد سألقاكِ